ابن ميثم البحراني

127

شرح نهج البلاغة

وامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ - فَلَا عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ - ولَا قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ - سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلَا شَيْءَ أَعْلَى مِنْهُ - وقَرُبَ فِي الدُّنُوِّ فَلَا شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ - فَلَا اسْتِعْلَاؤُهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ - ولَا قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي الْمَكَانِ بِهِ - لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ - ولَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ - فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلَامُ الْوُجُودِ - عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ - تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ - والْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً كَبِيراً أقول : يقال بطنت الوادي : دخلته . وبطنت الأمر : علمت باطنه . وفي هذا الفصل مباحث جليلة من العلم الإلهيّ وجملة من صفات الربوبيّة : أوّلها : كونه تعالى بطن خفيّات الأمور ويفهم منه معنيان : أحدهما : كونه داخلا في جملة الأمور الخفيّة ، ولمّا كان بواطن الأمور الخفيّة أخفى من ظواهرها كان المفهوم من كونها بطنها أنّه أخفى منها عند العقول . الثاني : أن يكون المعنى أنّه نفذ علمه في بواطن خفيّات الأمور أمّا المعنى الأوّل فبرهانه أنّك علمت أنّ الإدراك إمّا حسىّ أو عقليّ ، ولمّا كان الباري تعالى مقدّسا عن الجسميّة منزّها عن الوضع والجهة استحال أن يدركه شيء من الحواسّ الظاهرة والباطنة ، ولمّا كانت ذاته بريئة عن أنحاء التركيب استحال أن يكون للعقل اطَّلاع عليها بالكنه فخفاؤه إذن على جميع الإدراكات ظاهر ، وكونه أخفى الأمور الخفيّة واضح . وأمّا الثاني : فقد سبق منّا بيان أنّه عالم الخفيّات والسرائر . وثانيها : كونه تعالى قد دلَّت عليه أعلام الظهور وكنّى بأعلام الظهور عن آياته وآثاره في العالم الدالَّة على وجوده الظاهر في كلّ صورة منها كما قال : وفي كلّ شيء له آية * تدلّ على أنّه واحد . وهى كناية بالمستعار ، ووجه المشابهة ما بينهما من الاشتراك في الهداية . وإلى هذا